ابن أبي الحديد

270

شرح نهج البلاغة

شبيبا بمكانك ، فتنكر ، وأخفى مكانه ، وتشبه به مولى آخر للحجاج في هيئته وزيه ، فحمل عليه شبيب ، فضربه بالعمود فقتله ، ويقال إنه قال لما سقط : ( أخ ) بالخاء المعجمة فقال شبيب : قاتل الله ابن أم الحجاج ! اتقى الموت بالعبيد ، وذلك أن العرب تقول عند التأوه ( أح ) بالحاء المهملة . ثم تشبه بالحجاج أعين صاحب حمام أعين ، ولبس لبسته ، فحمل عليه شبيب فقتله ، فقال الحجاج : على بالبغل لأركبه ، فأتى ببغل محجل ، وقيل : أيها الأمير ، أصلحك الله ! إن الأعاجم كانت تتطير أن تركب مثل هذا البغل في مثل هذا اليوم ، فقال : أدنوه منى فإنه أغر محجل ، وهذا يوم أغر محجل ، فركبه ، ثم سار في الناس يمينا وشمالا ثم قال : اطرحوا لي عباءة ، فطرحت له ، فنزل فجلس عليها ، ثم قال : ائتوني بكرسي ، فأتى به ، فقام فجلس عليه ، ثم نادى أهل الشام ، فقال : يا أهل الشام ، يا أهل السمع والطاعة ، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم ، غضوا الابصار ، واجثوا على الركب ، واستقبلوا القوم بأطراف الأسنة ، فجثوا على الركب ، وكأنهم حرة سوداء . ومنذ هذا الوقت ركدت ريح شبيب ، وأذن الله تعالى في إدبار أمره ، وانقضاء أيامه فأقبل ، حتى إذا دنا من أهل الشام عبى أصحابه ثلاثة كراديس ، كتيبة معه ، وكتيبة مع سويد بن سليم وكتيبة مع المحلل بن وائل ، وقال لسويد : احمل عليهم في خيلك ، فحمل عليهم فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف أسنتهم ، وثبوا في وجهه ، فقاتلهم طويلا ، فصبروا له ، ثم طاعنوه ، قدما قدما ، حتى ألحقوه بأصحابه . فلما رأى شبيب صبرهم ، نادى : يا سويد ، احمل في خيلك في هذه الرايات الأخرى ، لعلك تزيل أهلها ، فتأتي الحجاج من ورائه ، ونحمل نحن عليه من أمامه . فحمل سويد على تلك الرايات ، وهي بين جدران الكوفة ، فرمى بالحجارة من سطوح البيوت ، ومن أفواه السكك ، فانصرف ولم يظفروا .